المقريزي
395
إمتاع الأسماع
فإذا كان الحمد شفحا فمشفح محمد ، لأن الصفات التي أقروا أنها هي وفاق لأحواله وزمانه ومخرجه ومبعثه وشرعته فليدلونا على من له هذه الصفات ، ومن خرت الأمم بين يديه وانقادت لطاعته ، واستجابت لدعوته ، ومن صاحب الجمل الذي هلكت بابل وأصنامها به ، وأن هذه الأمة من ولد قيدار بن إسماعيل الذين ينادون من رؤوس الجبال بالتلبية والأذان ، والذين نشروا تسبيحه في البر والبحر ، هيهات أن يجدوا ذلك إلا في محمد وأمته . قال ابن قتيبة : ولو لم تكن هذه الأخبار في كتبهم بدليل قوله تعالى ( الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ) ( 1 ) ، وقوله : ( لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون * يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون ) ( 2 ) ، وقوله : ( يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ) ( 3 ) ، وقوله : ( قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ) ( 4 ) ، وكيف جاز لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يحتج عليهم بما ليس عندهم ويقول : من علامة نبوتي أنكم تجدوني مكتوبا عندكم ، ولا تجدونه وقد كان عيبا أن يدعوهم بما ينفرهم ، ولما أيقن الحال عبد الله بن سلام ومن أسلم أسلموا . وقد ذكر يوحنا الإلهي الذي كتب الإنجيل في كتاب اسمه الأبوعلمسيس نبينا محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) وسماه : ماما ديوس ، ومعنى ماما بالعبرية ميم ، ومعنى ديوس ح م د ، وقال ابن الجوزي : وما زال أهل الكتاب يعرفون رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بصفاته ويقرون به ويعدون بظهوره ، ويوصون أهاليهم بالإيمان به ، فلما ظهر آمن عقلاؤهم ، وحمل الحسد آخرين على العناد كحيي بن أخطب ، وأبو عامر الراهب ، وأمية بن أبي الصلت ، وقد أسلم جماعة من علماء متأخري أهل الكتاب ، وصنفوا كتبا يذكرون فيها صفاته التي في التوراة والإنجيل ، فالعجب ممن يتيقن وجود الحق ثم يحمله الحسد على الرضا بالخلود في النار .
--> ( 1 ) 157 : الأعراف . ( 2 ) 70 - 71 : آل عمران . ( 3 ) 146 : البقرة . ( 4 ) 43 : الرعد .